ميرزا حسين النوري الطبرسي

322

دار السلام فيما يتعلق بالرؤيا والمنام

طريقه وبشروه بالنجاة ، ومن أخذ يمينا وشمالا ذموا اليه الطريق وحذروه من الهلكة ، وكانوا كذلك مصابيح تلك الظلمات وأدلة تلك الشبهات ، وان للذكر لاهلا أخذوه من الدنيا بدلا ، فلم تشغلهم تجارة ولا بيع عنه ، يقطعون به أيام الحياة ، ويهتفون بالزواجر عن محارم اللّه في أسماع الغافلين ، ويأمرون بالقسط ويأتمرون به ، وينهون عن المنكر ويتناهون عنه فكأنما « 1 » قطعوا الدنيا إلى الآخرة وهم فيها ، فشاهدوا ما وراء ذلك ، وكأنما اطلعوا عيوب أهل البرزخ في طول الإقامة فيه وحققت القيامة عليهم عداتها ، فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدنيا حتى كأنهم يرون ما لا يرى الناس ، ويسمعون ما لا يسمعون ، فلو مثلتهم بعقلك في مقاومهم المحمودة ومجالسهم المشهودة ، وقد نشروا دواوين أعمالهم وفرغوا للمحاسبة أنفسهم على كل صغيرة وكبيرة أمروا بها ؛ فقصروا عنها أو نهوا عنها ففرطوا فيها ، وحملوا ثقل أوزارهم ظهورهم فضعفوا عن الاستقلال بها ، فنشجوا نشيجا « 2 » وتجاوبوا حنينا يعجون « 3 » إلى ربهم من مقام ندم واعتراف لرأيت أعلام هدى ، ومصابيح دجى ، قد خفت بهم الملائكة ، وتنزلت عليهم السكينة ؛ وفتحت لهم أبواب السماء ، وأعدت لهم مقاعد الكرامات في مقعد اطلع اللّه عليهم فيه ، فرضي سعيهم وحمد مقامهم ؛ يتنسمون « 4 » بدعائه روح التجاوز ، رهائن فاقة إلى فضله وأسارى ذلة لعظمته ، جرح طول الأسى قلوبهم وطول البكاء عيونهم ، لكل باب رغبة إلى اللّه سبحانه منهم يد قارعة ، يسألون ممّن لا يضيق على المنادح « 5 » ولا يخيّب عليه الراغبون فحاسب نفسك لنفسك فان غيرها من الأنفس لها حسيب غيرك . وفي معاني الأخبار عن جراح المدائني قال : قال لي أبو عبد اللّه : الا

--> ( 1 ) وفي بعض نسخ النهج « فكأنهم » بدل « فكأنما » . ( 2 ) النشيج : صوت البكاء . ( 3 ) عج عجيج : صاح ورفع صوته . ( 4 ) تنسم الرجل : تنفس . ( 5 ) المنادح : المواضع الواسعة .